تفاؤل بعد زيارة الصندوق: اليوروبوند عند أعلى مستوياتها -- Sep 28 , 2026 4
عكست تداولات أسواق المال، خلال الأسبوع الماضي، موجة التفاؤل المستجدة، التي تلت زيارة بعثة صندوق النقد الدولي إلى العاصمة بيروت. إذ ارتفعت الأسعار السوقيّة لسندات اليوروبوند إلى أعلى مستوى لها، منذ توقّف الدولة اللبنانيّة عن السداد عام 2020، فيما شملت الارتفاعات جميع شرائح السندات بغض النظر عن تاريخ استحقاقها، ومن دون أي استثناء. وبهذا الشكل، عبّر المستثمرون عن انطباعاتهم الإيجابيّة، بخصوص درجة التقدّم التي أحرزها لبنان، على طريق الوصول إلى اتفاق نهائي مع الصندوق.
وبطبيعة الحال، لا تعني هذه التطوّرات أن الطريق باتت معبّدة للوصول إلى هذا الاتفاق على المدى القصير، أو أن إبرامه بات محسوماً. غير أن قراءة السوق بدت أقرب إلى اعتبار خلاصات الزيارة مؤشراً إلى حصول حلحلة في بعض الملفات التي كانت عالقة، بما يفتح الباب أمام استكمال العمل على الملفات المتبقية. كما أكدت الخلاصات أن لبنان تجاوز مرحلة الجمود، التي طبعت المفاوضات مع صندوق النقد خلال الفترات التي سبقت العام الماضي.
أرقام الأسبوع الماضي
أقفلت الأسواق يوم الجمعة الماضي على ارتفاعات أسبوعيّة شملت جميع شرائح سندات اليوروبوند، وصولاً إلى نسبة زيادة تقارب 0.78 بالمئة للشريحة التي تستحق في أيّار 2033. مع الإشارة إلى أنّ هذه الشريحة بالتحديد سجّلت أسعاراً لامست حدود 30 سنت للدولار، مقارنة بنحو 29.77 سنت للدولار قبل أسبوع واحد. وبهذا الشكل، سجّلت هذه الشريحة من السندات أعلى نسبة زيادة أسبوعيّة، وأعلى سعر سوقي راهن، من بين جميع شرائح السندات.
أمّا على مستوى متوسّط الأسعار الإجمالي، لجميع شرائح السندات، فسجّلت السوق خلال الأسبوع الماضي نسبة ارتفاع قاربت 0.48 بالمئة، فيما بات متوسّط الأسعار الحالي أعلى بنسبة 23.23 بالمئة مقارنة بالفترة المماثلة من العام الماضي. وفي الوقت الراهن، باتت أسعار سندات اليوروبوند اللبنانيّة تتراوح ما بين 28.14 و30 سنت للدولار، بحسب تاريخ استحقاق الشريحة. ومن المعلوم أن أسعار السندات تتفاوت عادةً بحسب الشريحة، نظراً لاختلاف تاريخ الاستحقاق ومعدّل الفائدة المتوجّب على كل أصدار، فيما يصل تاريخ استحقاق آخر شريحة إلى 30 آذار 2037.
لفهم ديناميّات السوق، قد يكون من المفيد التذكير بأنّ أسعار سندات اليوروبوند اللبنانيّة هبطت خلال فترات سابقة من الأزمة إلى مستويات تراوحت ما بين 5 و6 سنت للدولار، أي إلى ما بين 5 و6 بالمئة من قيمة السند التي كان يفترض أن يتم سدادها عند الاستحقاق. غير أنّ الأسعار بدأت تشهد، منذ أواخر العام 2024، حركة تصاعديّة متدرجة، على وقع المؤشّرات التي دلّت على اتجاه البلاد نحو ملء الفراغ الرئاسي، وتشكيل حكومة جديدة، وتحريك عدد من الملفات الماليّة والإصلاحيّة التي كانت عالقة سابقة. وعلى هذا الأساس، باتت الأسعار اليوم أعلى بنحو 5-6 مرّات (بحسب الشريحة) مقارنة بمستويات الربع الأخير من عام 2024.
دلالات الأسعار
منذ آذار 2020، أعلنت الدولة اللبنانيّة التوقّف عند سداد التزاماتها بالعملة الصعبة، وتحديداً سندات اليوروبوند. ولهذا السبب، لا تعني الأسعار المتداولة، ولا القيمة الإسميّة للسندات، أن الدولة ستسدد التزاماتها وفق قيمتها وشروطها الأصليّة. فالمسار المتوقع بالنسبة لهذه الديون سيمر عبر مفاوضات مرتقبة، مع حملة السندات، لإعادة هيكلة الدين السيادي وفق شروط جديدة. ومن المتوقع أن تنتهي هذه المفاوضات باستبدال السندات القديمة بسندات جديدة، بشروط مختلفة لجهة القيمة الإسميّة ومواعيد الاستحقاق ومعدلات الفائدة، وبما ينسجم مع قدرة الدولة على سداد الديون. لذلكَ، سيتحمّل الدائنون الحاليون حتماً اقتطاعاً من قيمة سنداتهم، سواء عبر حسم مباشر، أو عبر تمديد آجال السداد أو خفض الفوائد.
لكل هذه الأسباب، تعبّر الأسعار الحاليّة عن تقدير المستثمرين للقيمة التي يمكن استردادها من أصل الدين، في نهاية عمليّة إعادة الهيكلة. وهذا سيعكس طبعاً وضعيّة الدولة الماليّة، وقدرتها المستقبليّة، وحجم الالتزامات التي ستتحمّلها جرّاء مسارات أخرى مثل إعادة الإعمار وإعادة هيكلة المصارف. كما تعبّر الأسعار الحاليّة عن تقدير المستثمرين لدرجة تقدّم الدولة اللبنانيّة في تنفيذ سائر الإصلاحات الماليّة، التي يفترض أن تمهّد لمفاوضات إعادة هيكلة الدين العام.
لذلكَ، كلما اعتبر المستثمرون أن لبنان بات أقرب من الاتفاق مع الصندوق، ومن تثبيت إطار مالي متوسّط الأجل واضح وقابل للتطبيق، ترتفع توقعاتهم بإمكان إطلاق مفاوضات إعادة الهيكلة، والوصول إلى نسبة استرداد أفضل، وهو ما ينعكس ارتفاعاً في السعر السوقي للسندات. وهذا تحديداً ما يفسّر ارتفاع الأسعار الأخير، بعد زيارة البعثة. مع الإشارة إلى أن حملة السندات ينظرون إلى الاتفاق مع الصندوق بوصفه ضمانة، لإمكانيّة صياغة برنامج موثوق للتصحيح المالي في لبنان.
ما الذي حرّك الأسعار؟
هكذا، يمكن فهم الارتفاع الأخير في الأسعار، الأسبوع الماضي، بوصفه إعادة تقييم من جانب المستثمرين، لاحتمالات التوصّل إلى مرحلة إعادة هيكلة الدين. فالزيارة الأخيرة شهدت ترحيباً من جانب الصندوق بالتعديلات التي جرى إقرارها على قانون إصلاح المصارف، وبالتحسّن الذي طرأ على إدارة الموازنة العامّة، وهو ما أعطى السوق انطباعاً بأن بعض عناصر البرنامج المالي بدأت تتبلور بشكلٍ أوضح. كما عكست تعليقات الصندوق تفاؤلاً بمسار مناقشة الإطار المالي المتوسّط الأجل، الذي يفترض أن يضع خطة الدولة الماليّة للسنوات الخمس المقبلة.
لكن في المقابل، لا تعني هذه المؤشرات أن جميع الملفات الأساسيّة قد حسمت. فالاستحقاق الأهم، للعبور نحو الاتفاق النهائي مع الصندوق، سيكون إقرار قانون الفجوة الماليّة، الذي سيحدّد ترتيب تحمّل الخسائر في القطاع المالي، وآليات سداد الودائع، فضلاً عن مساهمة الدولة في إعادة رسملة المصرف المركزي. ومن المرتقب أن تنطلق النقاشات حول مشروع القانون في لجنة المال والموازنة، بعد إنجاز درس موازنة العام 2027.
في الخلاصة، لا يمكن اعتبار هذه الأرقام إشارة إلى أنّ البلاد تتجه حتماً لتجاوز أزمتها الماليّة، بل تشير إلى أنّ احتمالات الخروج من المراوحة تبدو أكثر جديّة. ولهذا، فإن مستقبل مسار التعافي المالي سيبقى رهناً بما سيحدث بعد زيارة الصندوق، وهذا ما سيحدد مصير ديون لبنان السياديّة. وحتّى ذلك الحين، ستظل أسعار اليوروبوند تعكس مزيجاً من التفاؤل الحذر، وتقديرات المستثمرين لحجم الخسائر التي سيتحملونها في نهاية عمليّة إعادة الهيكلة.
علي نور الدين - المدن